مجمع البحوث الاسلامية
842
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
والقلوب منه ، قال تعالى : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وقال : إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا وقال : إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ النّور : 19 ، والحبّ من أعمال القلب الثّابتة في النّفس . فقوله تعالى : ( ما في أنفسكم ) معناه ما ثبت واستقرّ في أنفسكم - كما تقدّم - ويدخل فيه الكفر والأخلاق الرّاسخة والصّفات الثّابتة ، من الحبّ والبغض في الجور ، وكتمان الشّهادة وقصد السّوء أو سوء القصد ، وفساد النّية وخبث السّريرة ، وهذه الأعمال والصّفات هي الأصل في الشّقاوة وعليها مدار الحساب والجزاء . ولولا أنّ للأعمال البدنيّة آثارا في النّفس تزكّيها أو تدسّيها ، لما آخذ اللّه تعالى في الآخرة أحدا عليها ، لأنّه تعالى لا يعاقب النّاس حبّا في الانتقام ولا يظلم نفسا شيئا ، ولكنّه جعل سنّته في الإنسان أن يرتقي أو يتسفّل نفسا وعقلا بالعمل . فلهذا كان العمل مجزيا عليه في الآخرة ، فإنّ أثره في النّفس هو متعلّق الجزاء . ثالثها : أنّ الخواطر السّانحة والوساوس العارضة وحديث النّفس الّذي لا يصل إلى درجة القصد الثّابت والعزم الرّاسخ ، لا يدخل في مفهوم الآية - كما قال المحقّقون واختاره الأستاذ الإمام كما تقدّم - لأنّ ما ذكر غير ثابت ولا مستقرّ ، وقوله : ( في أنفسكم ) يفيد الثّبات والاستقرار . وإنّما كان هذا وجها لإبطال النّسخ ، لأنّه إذا ثبت أنّ ما ذكر داخل في الآية ، فلقائل أن يقول : إنّ الآية خبر يفيد النّهي عن هذه الخواطر والوساوس في المعنى ، فهو من تكليف ما لا يطاق ، فيجب أن يكون قوله بعده : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ناسخا له . وبهذا تعلم أنّ حديث التّجاوز عن حديث النّفس لا ينافي الآية ، ولا يصلح دعامة للقول بنسخها . رابعها : أنّ تكليف ما ليس في الوسع ينافي الحكمة الإلهيّة البالغة والرّحمة الرّبّانيّة السّابغة ، فهو لم يقع ، فيقال : إنّ الآية منه ونسخت بما بعده . خامسها : المعقول في النّسخ أن يشرّع حكم يوافق مصلحة المكلّفين ، ثمّ يأتي زمن أو تطرأ حال يكون ذلك الحكم فيه مخالفا للمصلحة ، وكون ما في النّفس يحاسب عليه من الحقائق الّتي لا تختلف باختلاف الأزمنة والأحوال . فإن قيل : إذا كان معنى الآية ما ذكرت فلما ذا قال الصّحابة فيها ما قالوا ؟ أقول : إنّ الصّحابة عليهم الرّضوان قد دخلوا في الإسلام ، وأكثرهم رجال قد تربّوا في حجر الجاهليّة ، وانطبعت في نفوسهم قبله أخلاقها وأثّرت في قلوبهم عاداتها ، فكانوا يتزكّون منها ويتطهّرون من لوثها تدريجا بزيادة الإيمان ، كلّما نزل شيء من القرآن وباتّباع الرّسول ، فيما يفعل ويقول . فلمّا نزلت هذه الآية خافوا أن يؤاخذوا على ما كان لا يزال باقيا في أنفسهم من أثر التّربية الجاهليّة الأولى ، وناهيك بما كانوا عليه من الخوف من اللّه عزّ وجلّ واعتقاد النّقص في أنفسهم ، حتّى بعد كمال التّزكية وتمام الطّهارة ، حتّى كان مثل عمر بن الخطّاب يسأل حذيفة بن اليمان « هل يجد فيه شيئا من